الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
126
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
دلالته ورشاقة معناه عبر بها عما يقوله من أوتي كتابه بشماله من التحسر بالعبارة التي يقولها المتحسر في الدنيا بكلام عربي يؤدي المعنى المقصود . ونظيره ما حكي عنهم في قوله تعالى : دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً [ الفرقان : 13 ] وقوله : يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا [ الفرقان : 28 ] وقوله : يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ الآية [ الكهف : 49 ] . ثم أخذ يتحسر على ما فرط فيه من الخير في الدنيا بالإقبال على ما لم يجده في العالم الأبدي فقال : ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ، أي يقول ذلك من كان ذا مال وذا سلطان من ذلك الفريق من جميع أهل الإشراك والكفر ، فما ظنك بحسرة من اتبعوهم واقتدوا بهم إذا رأوهم كذلك ، وفي هذا تعريض بسادة مشركي العرب مثل أبي جهل وأمية بن خلف قال تعالى : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ [ المزمل : 11 ] . وفي أَغْنى عَنِّي الجناس الخطّي ولو مع اختلاف قليل كما في قولهم « غرّك عزّك فصار قصارى ذلك ذلّك » . ومعنى هلاك السلطان : عدم الانتفاع به يومئذ فهو هلاك مجازي . وضمّن هَلَكَ معنى ( غاب ) فعدي ب ( عن ) ، أي لم يحضرني سلطاني الذي عهدته . والقول في هاءات كِتابِيَهْ ، و حِسابِيَهْ ، و مالِيَهْ ، و سُلْطانِيَهْ ، كالقول فيما تقدم إلّا أن حمزة وخلفا قرءا هنا ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ بدون هاء في حالة الوصل . [ 30 - 37 ] [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 30 إلى 37 ] خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ ( 32 ) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ( 33 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 34 ) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 ) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ ( 37 ) خُذُوهُ مقول لقول محذوف موقعه في موقع الحال من ضمير فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ [ الحاقة : 25 ] ، والتقدير : يقال : خذوه . ومعلوم من المقام أن المأمورين بأن يأخذوه هم الملائكة الموكلون بسوق أهل الحساب إلى ما أعد لهم . والأخذ : الإمساك باليد . وغلّوه : أمر من غلّه إذا وضعه في الغل وهو القيد الذي يجعل في عنق الجاني أو الأسير فهو فعل مشتق من اسم جامد ، ولم يسمع إلّا ثلاثيا ولعل قياسه أن يقال : غلّله